ابن الجوزي

277

كتاب ذم الهوى

نعم المحبّة يا سؤلي محبّتكم * حبّ يجرّ إلى خير وإحسان فقلت لها : يا حبيبتي إلى ما صرت ؟ فقالت : إلى نعيم وملك لا نفاد له * في جنة الخلد خلد ليس بالفاني فقلت لها : أيتها الحبيبة ، أتذكريني هناك ؟ فقالت : واللّه إني لأتمنّاك على مولاي ومولاك ، فأعنّي بصالح من عملك ، فلعلّ اللّه أن يجمعنا في داره دار المقام . ثم ثنت وجهها لتنصرف . فقلت لها : يا حبيبتي متى أراك ؟ قالت : قريبا إن شاء اللّه . فعاش الفتى أياما قليلة ثم مات فدفن إلى جانبها . أخبرنا المبارك بن علي ، قال : أنبأنا علي بن محمد بن العلّاف ، قال : أنبأنا عبد الملك بن بشران ، قال : أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي ، قال : أنبأنا أبو بكر الخرائطي ، قال : حدثنا محمد بن يزيد المبرّد ، قال : عن ابن أبي كامل ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن رجاء ، عن رجاء بن عمرو النّخعي ، قال : كان بالكوفة فتى جميل الوجه ، شديد التعبّد والاجتهاد ، وكان أحد الزهاد ، فنزل في جوار قوم من النّخع ، فنظر إلى جارية منهن جميلة ، فهويها ، وهام بها عقله ، ونزل بها مثل الذي نزل به . فأرسل يخطبها من أبيها فأخبره أبوها أنها مسمّاة لابن عمّ لها ، فلما اشتدّ عليهما ما يقاسيان من ألم الهوى أرسلت إليه الجارية : قد بلغني شدة محبّتك لي ، وقد اشتدّ بلائي بك ، فإن شئت زرتك ، وإن شئت سهّلت لك أن تأتيني . فقال للرسول : ولا واحدة من هاتين الخلّتين ، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ، أخاف نارا لا يخبو سعيرها ، ولا يخمد لهبها . فلما انصرف الرسول إليها فأبلغها ما قال قالت : وأراه مع هذا زاهدا يخاف اللّه ! واللّه ما أحد أحقّ بهذا من أحد ، وإنّ العباد فيه لمشتركون . ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها ، ولبست المسوح وجعلت